كنت على وشم أن أنام في فترة الظهر، واضعا الحاسب المحمول على (ثباني) وأقرأ كعادتي كل خميس وجمعة فقرة من رواية (11 دقيقة) للرائع والجميل باولو كويلو (يتساءل بعضكم عن سر قراءتها ظهرا وأنا على وشك النوم)، فجاءة فتح أخي الباب بقوة، وقال: خذ تلفونك صدعنا، كنت قد نسيته في "المبرز" بعد جرع الغداء.
ضغطت على زر الإجابة: سلالالام عليكم (كان الرقم غريبا)
رد: عليكم السلام، الأخ سعود العامري
أنا: نعم..تفضل
هو: معك إدارة ملتقى الشباب العماني، وأأأ...
انقطع الإرسال، كم مرة نهتف للنورس، أن تعالي أصلحي شبكتك الـ...
وما من فائدة...
قمت لأبحث عن مكان فيه الإرسال..أخيرا وجدت نظرت إلى الشاشة لأجد شخطا واحدا عموما يكفي
أعدت الإتصال:
هو: مرحبا
أنا: مراحب..معك سعود العامري
هو: ايوه...معك ادارة ملتقى الشباب العماني
أنا: اهلين...جميل
ارتفعت نسبة الجوع، بسبب العيش الفاخر على الغداء
هو: أنت مقبول معنا في الملتقى
انا: حلو..متى بيكون؟
هو: شعر أربعه يوم الأربعاء والخميس والجمعة
أنا: تمام...خلاص إن شاء معكم
هو: مع السلامة
أنا في نفسي: مع سلامة وختها البلونة.
فكرت قليلا: انا الحين فاضي يكفي هذا الصحافة وأشغالها، ما زلت ناشئا فيها، كيف اذا كنت صحفي حقيقي، يعني عندي معاش وأوراق بلاش.العموم جميل. كمان المشاركة في المجتمع المدني جميلة ورائعة ، وفرصة.
مجتمع مدني أخر: اليوم صباح قبل هطول الأمطار الغزيزة وصلتني رسالة من الأخ خالد الكلباني رئيس لجنة الصحافة في مهرجان مسقط السينمائي المرتقب قريبا... يدعوني للاجتماع اليوم لمناقشة خطة العمل والموازنة والتوزيع الأخير للمهام- للأهمية يرجى عدم التخلف. كنت قد سجلت معهم في تغطية المهرجان صحفيا، واجتمعنا مع الدكتور عبد الرحيم الزدجالي رئيس جمعية السينمائيين، وقال بأن ميزانيتهم حوالي (لا أذكر ألف) أعتقد 500 ألف ريال، ومهرجان عالمي .الله يعين اتفقنا مع لجنة الصحافة -التي كان جل أعضائها من الصحفيين الكبار، جلست أنا وصاحبي مندهشين، ما معقولة نحن في حلم، كانوا خمسة عمانيين، وواحدة من دول مغربية عربية، وواحدة صحفية أعتقد أنها مصرية بس الغريبة كانت صامتة- على الاجتماع شهريا، ولم يحصل كنا مشغولا ببحوث وتقارير وشغل القسم بالإضافة الى المؤتمرات العديدة التي كنت ضمن فريق تغطيتها.
في ظل الأحوال المستجدة والتي نعيشها حاليا، والتي حتما تؤثر فينا مباشرة أو غير مباشرة، كوننا وكما يقولون نعيش في قرية صغيرة طرفها الأول عند يديك وطرفها الأخر عند يديك أيضا، وفي ظل والأحاديث المستمرة المنتظم منها والمبعثر، والتي تؤثر فينا وقد نصنعها أو تكوننا نتحدث فيها بإسهاب أو اختصار، نصغي لها من آخرين، ونُسمعها لآخرين، وفي ظل أزمات ومشاكل وحروب ومعاهدات وسلام وهي أحداث قد تكون متسارعة الحدوث أو بطيئة، وفي ظل ذاكرة إنسانية بدأت تتقلص عدد خلاياها المخية وحجمها، خلايا مسؤولة عن التذكر والحفظ.
في ظل كل هذه الأشياء وجب علينا أن نعي حقوقنا وواجباتنا أو واجباتنا وحقوقنا – حتى لا يزعل أحد-، ومسألة الحقوق والواجبات – إخواني وأخواتي- جد مهمة، وشيء ينبغي علينا وخصوصا نحن الشباب الجامعي، لأننا أشخاص يرتجى منهم قدوة فاهمة ومتفهمة ورائعة.
وتعتبر مسألة الحقوق والواجبات ركنا أساسيا فيما يسمى بعملية التثقيف السياسي، وهي طبعا مختلف فيها كثيرا في تعريفها وأهميتها وأقسامها وضرورتها كونها خارجة من العلوم الاجتماعية المختلف فيها أساسا.
وبالطبع لست ممن ينظرون ويقعدون ويعّرفون ويقسمون ويدكورون، لكن بتعريف شخصي متواضع هو: عملية تستهدف تعليم الأفراد والجماعات مبادئ وأسس السياسة؛ بغرض تحقيق ثقافة سياسية مرجوة.
مثلاً: طلاب الإعلام يدرسون الإعلام كاملا ومن كل جوانبه، لكن لديهم مواد من كلية التجارة والاقتصاد في خطتهم الدراسية، موضوعة بغرض تحقيق ثقافة اقتصادية وتجارية يستفيدون منها عند دخولهم لسوق العمل.
وتشمل عملية التثقيف السياسي حسب ما قال دجالو السياسة – كما يقول مفسرو السياسة بالسلبية- والباحثين الفرد منذ الصغر وتتبعه في مراحل نموه، كما تكون متكيفة مع الأحداث والوقائع المعاصرة والجارية دون إهمال لعنصر التاريخ والذي يشكل أساسا متينا كما هو الحال في العلوم الاجتماعية، وفيه يتم تدريس الفرد بشتى طرق التدريس كالمحاضرات والندوات والصحف والنشرات والمناقشة والتفسير وتحليل الأحداث والكتب بشرط أن تكون الأخيرة غير متعمقة في الجانب السياسي بل معرفة بأسلوب بسيط تكون فيها أقرب إلى الكتيبات.
في الختام قد تجدون حين تبحثون عن معنى التثقيف السياسي شيئا أخر غير ما كتبته، لكن تأكدوا أنه يقترب منه ويماهيه ولا يمايزه، وهي اختلافات لا تجعل مني مفسرا وذا باع، ولا تجعلني جاهلا أكتب بحماقة المعرفة.
تشكل أحداث التحقيق مع الصحفيين العمانيين واحتجازهم، من قبل الإدعاء مادة جديرة بالمتابعة والحديث، كطالب في الصحافة والنشر الالكتروني تهمني مثل هذه الأشياء جدا، وأحس وبصراحة أخبركم أني وبمجرد خروجي من سجن القسم سأطلع على أشياء كثيرة ومثيرة
مسائل البتر والحذف والتغيير والتلوين وإلغاء النشر في اللحظة الأخيرة بدأت في الوصول الى مسامعنا منذ دخولنا الى القسم، تعرفنا من خلالها كم هو صعب أن تكون صحفيا في السلطنة دعونا لا نتحدث عن نظرة المجتمع تجاه الصحافة التي من المفروض ان تتكلم عنه، سأتكلم كصحفي ناشيء إن صح التعبير، صحفي أرجو ومن كل قلبي أن أكون ساعيا الى احداث فرق.
أحس ولا أخبيء عليكم أن ما تعيشه الصحافة العمانية اليوم هو مخاض عسير جدا، مخاض بطيء ويكاد أن يتعب من شدة تمهله وصعوبته الباحث والمهتم في هذا المجال
ولهذا تجد الاختلافات بونا شاسعا بين من يراها متفقة مع التوجهات الشعبية والحكومية وقريبة من أهداف الصحافة الحقيقية المسؤولة، وبين من يراها مغردة في مكان بعيد بينما المستوى الشعبي يتحدث في مكان اخر عن شيء أخر بشيء أخر.
المهم نعود للمخاض، برأيي ما يحصل حاليا هو مصداق لقول الشاعر
اليوم الخميس السابع من شهر واحد، وصلت إلى المكتبة الرئيسية بجامعة السلطان قابوس، مواقف السيارة تكاد تكون ممتلئة، وهذا العدد الكبير من السيارات لا بد أن يرافقه عدد ضخم من الطلاب، وضعت هذا في اعتباري إن لم أجد في المكتبة الواسعة سأبحث عن مكان أخر، ولا يمكنني أن أعود للشقة، فرغم هدوئهافهي مكان لا يشجع ولا يصلح أصلا للمذاكرة.
الإسبوع الحالي، الإسبوع القادم ، ومن ثم بعد القادم هي أسابيع للامتحانات النهائية، لذلك فطلاب الجامعة هم أشبه بالمستنفر في حالات الطوارئ، تجد الكتاب يصرخ طالبا الرحمة من أياديهم، وأكاد اجزم أن المكان الأول لاستهلاك الأوراق البيضاء (A4) تكون في جامعة السلطان قابوس أيام الامتحانات النهائية، الغالبية تشتريها، وتبدأ مسلسلات الكتابة بقلم الرصاص والأزرق والأسود، طبعا طلاب الكليات العلمية هم الغالبية الذين يستعملون هذه الأوراق، لأنهم بحاجة إلى أن يشرحوا بأنفسهم ولأنفسهم ما استعصى من مسائل وقوانين، وبحاجة إلى ترجمة من اللغة العصرية إلى لغة الأحباب.
بينما يكون طلاب الكليات الإنسانية (الآداب، التربية، الحقوق) تحت راحة أقل، وبالطبع فليس كل تخصصات هذه الكليات سهلة ولا تحتاج للأوراق البيضاء، عن نفسي استخدمها، وطلاب تخصصات الرياضيات وإخوانه من كيمياء (والذي منه) هم مستهلكون لها أيضا، وهذا يعتمد على التخصص وعلى الطالب والمادة، فتجد طالبين في التخصص نفسه، أولهما يمشي على راحته، يذاكر (متى ما دقت في رأسه) ويتركها (يوم تدق في رأسه)، لا يخوض في أمور مهاترات المذاكرة كما يسميها، قد يتابع الأخبار العالمية، ويخرج لتناول أشهى الأطباق في مطاعم الخوض الرائعة، يدخل في الليل إلى مقاهي الانترنت ويقرأ في مواضيع لا تمت لمواده بشيء سواء أنها كما يقول: "كل شيء مرتبط ببعض البعض".
والأخر يستيقظ الصباح مبكرا، ويبدأ يفت الكتاب فتًّا، ولا تسلم صفحة من الكتابة عليها، وتذهب الأوراق البيضاء، وأوراق الملاحظات الصفراء والحمراء والغبراء بين ملاحظة وشرح وهامش تحليل، وهامش مراوغة، وترجمة، أحسب حياته في هذه الأسابيع مثل أحفادنا في أخر الزمان، حينما يخبرون أن غدا ساعة القيامة، تحبسهم الغرف كالزهاد في صومعة الذكر والقراءة، أكلهم (لا يسر صديق ولا عدو).
إذا أتيت يوما إلى المكتبة الرئيسية، ودخلتها ورأيت معظم الطاولات قد استحوذت عليها مقررات الجامعة، والأوراق المغفور لها بعد إعدامها، والأقلام، فأعلم بأن ساعة الصفر قد حانت، وهاهم طلاب الجامعة يستعدون لما يكرم فيه المرء أو يهان بكل ما أوتوا من قوة، ولا تستغرب إن مر عليك احدهم وقد فتح أزرار دشداشته العليا، ويمشي كالذي يتخبطه الحرف من الكتاب، أو إن قام أحدهم فجاءة ووقف أمام النافذة ونظر نظرة في السماء.
بقي أن تعرج للغشاشين، فلله درهم ما ابقوا من طريقة إلا وقدموا بها، ترى ما يصنعون في هذه الأيام؟ أهم في المكتبة الرئيسية؟ أم في البد؟ أم نظن فيهم خيرا، ونقول أنهم لا يستخدمون الغش- الذي أفتوا بإجازته بعد أن عجزوا أن إيجاد مفتي كشيخ الأزهر- إلا في الحالات الطارئة؟
الأخطاء سمتها، والبعد عن الواقع صفتها، والتذكير بعصر النهضة همها، والحديث عن نفسها نعيمها، هذا هو مربع الفشل والملل في الصحف العمانية، التي تعيش في غيبوبة عن الواقع، وبين أزمات تعلوها من مناصبها العليا حتى حبرها، أزمات تتجاهل حلها بنفسها، أو بالأحرى لا تستطيع حلها؛ لأنها ببساطة لا ترغب بإيجاد حل لها، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.
أزمة الثقة مع القارئ، فلا ترغب بالاعتماد على شرائه للصحف، فهي تعلم حق العلم أن لن يجد شيء مما يحمله بصدره، وامتلأت بإعلانات خدشت الحياء، أزمة الكينونة، ما هي الصحف العمانية مجرد لا تنافس ومجرد أخبار وكالات، أزمة العبارة والجملة، وأزمة الحبر المسكين الذي ملّ من أخبار معاليهم وسعادتهم ومنجزاتهم.
بعيدا عن كل احتمالات المواطن، وخارج دائرة اهتماماته، تملك اهتمامات خاصة، اهتمامات الإعلانات والتجارة، واهتمامات المنجزات العصرية، لا جراءة ولا منافسة، نفس الخبر بنفس الصفحة، غير متعوب عليه.
هذه هي الصحف العمانية، التي حولت مهنة المتاعب إلى مهنة المكاتب، فاستحقت أن تقبع في المرتبة الـ 106 عالميا في مجال حرية الصحافة، الحرية التي تستحي أن تطالب بها، واخترعت لها نهجا جديدا بين الصحف العالمية، وبراءة الاختراع جهالة لا تدري معناها.
تضحك على الذقون، فالكذب عندها حقيقة، والحقيقة معها سراب، غائبة عن الواقع ولا تلائمه، كل أخبارها المحلية عن استقبال معاليه لنظيره، وعن سعادته الذي تكلم في أمور الحيوانات السائبة، وعن وكيل الوزارة الذي تنزل وتفقد شوارع البلد، وعن الوالي العظيم الذي اجتمع بشيوخ البلد، لإبعاد الشيطان عن قراهم، وعن مدير البلدية الذي قهر مافيا الأوساخ ، بينما تتجاهل في الواقع اهتمامات المواطن العادي.
هنيئا لعمانَ ولأبنائها صحفا ذات نهج جديد، صحف تصفق للسراب، صحف تطبل للاشيء، صحف الزمن الآخر، صحف ما تزال تعيش على أيام السبعينات والثمانينيات، تقتات على قانون المطبوعات والنشر المنتهية صلاحياته، تمشي على حد السكين، وفي أخر السطور كعجوز لم يبق من عمرها سوى سويعات قليلة.
ماذا نكتب كي تقولَ جراحنا***إن الصحفَ العمانية صارت تقولُ ما تشاءُ
أفرجي يا وزارة الإعلام عن كتاب "قيادة المجتمع نحو التغيير - التجربة التربوية لثورة ظفار (1962 - 1992) للباحثة العمانية منى سالم سعيد جعبوب، أمعقول تكأفى هذه الكاتبة والباحثة بهذا الجحود والصدود!